ال جرهوم

 

هذه القصة التاريخية ، مقتبسه من سلسلة مقالات نشرتها صحيفة مكور ريشون الاسرائيلية ، للكاتبة اليهودية اليمنية نجات النهاري في الاعداد النازلة من 1 ابريل الى 15 أبريل 2007م

جرهوم: قبيلة يمنية يهودية عريقة – 

صمود وتأثير في قلب التاريخ اليمني

تُعدّ قبيلة جرهوم من القبائل اليمنية العريقة التي سطّرت فصولاً مهمة في تاريخ اليمن، ليس فقط لثرائها وقوتها، بل لصمودها وتشبثها بديانتها اليهودية على مرّ العصور. من المهم التأكيد منذ البداية أن هذه القبيلة اليهودية اليمنية لا تمت بصلة على الإطلاق لقبيلة جرهم العربية البائدة الشهيرة، وهي حقيقة تاريخية فارقة تستوجب التوضيح لتمييز المسارين التاريخيين لكلتا القبيلتين.

اليهودية في اليمن قبل الإسلام:

 ديانة راسخة وحاضنة للحضارة

قبل بزوغ فجر الإسلام، كانت الديانة اليهودية هي الديانة السائدة والمهيمنة على عموم بلاد اليمن. لم يكن اليمنيون حينها يسمحون بأي مساس بعقيدتهم، بل كانوا يتصدون بكل حزم لأي محاولة للتعدي على دينهم ومعتقداتهم الراسخة. هذه الحقبة شهدت ازدهاراً للحضارة اليمنية التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالثقافة اليهودية، وتركت بصماتها على الفن والعمارة والتجارة.

وعلى الرغم من المتغيرات الكبرى التي عصفت بالشرق الأوسط والعالم في القرون الأولى الميلادية، بدءاً من ظهور المسيحية وانتشارها في الإمبراطورية الرومانية ومستوطناتها في شمال إفريقيا، ظلت اليهودية في اليمن راسخة وثابتة. المد المسيحي القوي الذي اجتاح مناطق شاسعة لم يتمكن من زعزعة جذور اليهودية في أرض اليمن، وبقي الحال على هذا المنوال لقرون طويلة.

تحولات الإسلام وصمود اليهودية اليمنية

مع ظهور الإسلام وانتشاره في أرجاء الجزيرة العربية، استقبلت قبائل اليمن هذا الحدث التاريخي، واعتنق معظمهم الإسلام، متخلين عن الديانة اليهودية. يعزى هذا التحول لأسباب متعددة تتعلق بالديناميكية السياسية والاجتماعية الجديدة، بالإضافة إلى جاذبية الدين الجديد الذي قدم رؤية شاملة للحياة والمجتمع.

لكن في خضم هذا التحول، بقيت قبائل يهودية متشددة متمسكة بعقيدتها. واجهت هذه القبائل، ومنها جرهوم، صعاباً وظروفاً قاهرة، وتحدّت أعمال الاضطهاد التي مورست ضد من ظلوا على دينهم. كان هذا الاضطهاد يتركز بشكل خاص ضد القبائل اليهودية المتشددة التي كانت تقطن ما كان يعرف بـ "بلاد الظاهر".

بلاد الظاهر: مركز الحضارة اليهودية وموطن قبيلة جرهوم

كانت "بلاد الظاهر" تشمل مناطق شاسعة تمتد من شبوة ومأرب وأبين والبيضاء، وصولاً إلى حدود جبال سرو حمير (يافع). كانت هذه المنطقة بمثابة مركز حيوي للوجود اليهودي في اليمن، حيث ازدهرت المدن والقرى اليهودية، واشتهرت القبائل بثقافتها واقتصادها.

نزوح جرهوم والتحالف مع الثورة الطاهرية

مع بداية القرن الخامس عشر الميلادي، وفي أواخر حكم الدولة الرسولية وبداية أفول نجمها، ازدادت المضايقات والممارسات الاضطهادية ضد معتنقي اليهودية من قبل بعض المتطرفين المسلمين والخارجين عن سلطة الدولة. دفع هذا الوضع بتلك القبائل إلى النزوح من مناطقها الأصلية، بحثاً عن ملاذ آمن يوفر لهم الأمان والعيش الكريم.

في تلك الفترة، كانت يافع تشهد حالة من الاضطراب، وكانت على وشك ثورة وتمرد ضد الدولة الرسولية، بقيادة الأمير عامر بن طاهر الذرحاني. أعلن الذرحاني وقوفه إلى جانب الأقليات اليهودية، ورفضه للممارسات التي وصفها بأنها خارجة عن الأعراف والدين، والتي كان يمارسها محسوبون على السلطات الرسولية.

كانت هذه خطوة سياسية ذكية من قبل الطاهري، تهدف إلى استقطاب تلك القبائل اليهودية لما كانت تتمتع به من حكمة ودهاء سياسي، وقوة اقتصادية وبشرية. وبالفعل، انضم الكثير من القبائل الظاهرية اليهودية، وعلى رأسهم قبيلة جرهوم، إلى الحركة المناهضة للدولة الرسولية وساندوها بكل ثقلهم. كان لزاماً أن يكون تمركزهم بجوار مركز قيادة الثورة اليافعية، نظراً لأهمية هذه القبيلة وثقلها البشري والسياسي والاقتصادي.

استقرار جرهوم في يافع:

 ازدهار جديد في جبل اليزيدي

في منتصف العقد الأول من القرن الخامس عشر الميلادي، انتقل معظم أفراد قبيلة جرهوم إلى يافع. استقبلتهم يافع بأحسن استقبال، ورحبت بهم أجمل ترحيب، ومنحتهم كامل الحرية في اختيار المكان الذي يناسبهم للعيش والاستقرار في كل ربوع يافع.

اختار أفراد قبيلة جرهوم الاستقرار في جبل اليزيدي، إلى جوار قبائل يهودية سابقة استوطنت المنطقة، مثل آل مجيهر والبقشة وجزيلان وغيرهم الكثير. هذا التفضيل يعكس ربما الروابط الاجتماعية والتاريخية التي جمعتهم بتلك القبائل، والرغبة في الاستقرار في بقعة جغرافية توفر لهم الدعم المجتمعي.

استوطن بعضهم تحت اسم جحنون جرهوم وعيزان جرهوم وبيجان جرهوم، وهما بطون مهمة من بطون جرهوم اليمنية اليهودية. تروي الروايات أن هذه البطون كانت تعيش في ثراء فاحش قبل انتقالها إلى يافع. كانت تعيش إلى جانبهم في رداع والدريعا والسويدا عدد من العشائر اليهودية الكبرى، بالإضافة إلى بعض العشائر الكبرى من يهود حبان، مثل معتوف ومعتوف-دوه وهليل وشماخ ومايفاعي وعدني.

المهن التقليدية والتأثير الاقتصادي لقبائل جرهوم والقبائل اليهودية الأخرى

اشتهرت هذه القبائل اليهودية، بما في ذلك جرهوم، باحتكارها للعديد من المهن التقليدية التي كانت تدر عليهم ثروات طائلة. من أبرز هذه المهن:

 * دلفنة الفضة والصياغة: كانوا يتمتعون بمهارة عالية في صياغة المجوهرات الفضية والذهبية، وصناعة الحلي الفاخرة التي كانت تلقى رواجاً كبيراً.

 * صنع الأواني المنزلية: كانوا حرفيين ماهرين في صناعة الأدوات والأواني المنزلية المتنوعة.

 * التجارة، وخاصة تجارة المسافات الطويلة: شكلت التجارة عصب حياتهم الاقتصادية. كانوا رواداً في تجارة القوافل التي تجوب اليمن وخارجه، ناقلين البضائع ومحققين أرباحاً طائلة.

الريادة التجارية:

 الموارد وقوانين التجارة

تؤكد النصوص التاريخية أن هذه القبائل، وعلى رأسها جرهوم، كانت من أوائل من مارس الاحتكار التجاري في مناطق نفوذهم. كما أنهم أول من أقاموا الموارد التجارية في كل منطقة. المورد كان عبارة عن مكان واسع تستقبل إليه القوافل التجارية المحملة بالبضائع من جميع الجهات. كان المورد يضم المخيمات والمباني والحوانيت لتوفير الراحة، وكل ما يحتاجه أصحاب القوافل التجارية والمسافرون من وسائل الراحة والطعام والشراب لهم ولقوافلهم، بالإضافة إلى تسهيل تسويق بضائعهم. من الأمثلة على هذه الموارد: مورد السودا، ومورد الدريعا، ورداع، ومورد مرخة، ومورد البيضاء، ومورد البرخ، وغيرها من الموارد المنتشرة في تلك الحقبة المزدهرة.

لم يقتصر دورهم على التجارة فحسب، بل كانوا أيضاً أول من سن قوانين التجارة لحماية الناس من "الغش التجاري"، وتجريمه وتحريمه. استندوا في ذلك إلى نصوص توراتية تجرم وتحرم الغش التجاري. كما فرضوا الضرائب التجارية لحماية القوافل وتأمين طرق التجارة بين المناطق، مما يعكس نظاماً اقتصادياً متكاملاً كانوا رواداً فيه.

تأريخ مستمر لرموز يهودية يمنية

إن قصة قبيلة جرهوم ليست سوى جزء من تاريخ أعمق لليهود اليمنيين. هناك قبائل يهودية أخرى مثل آل مجيهر والبقشة، وغيرهم، الذين يستحقون أن تُسلط الأضواء على تاريخهم عندما تتوفر التفاصيل التاريخية الكاملة عنهم. بالإضافة إلى من تبقوا من قبيلة جرهوم في ذي ناعم من بلاد آل حميقان والبيضاء.

إن تاريخ جرهوم يجسد قصة صمود وإصرار، وقصة تأثير اقتصادي وحضاري، مما يجعلها تستحق أن تُروى وتُدرس كجزء لا يتجزأ من النسيج الغني للتاريخ اليمني.

. المصادر : 

1. دراسات أكاديمية حديثة (باللغة الإنجليزية والعبرية غالبًا):

​هذه الدراسات تعتمد على المصادر والمخطوطات اليهودية وتغطي جوانب تاريخية، اجتماعية، وثقافية:


​"The Jews of Yemen: Studies in their History and Culture" (يهود اليمن: دراسات في تاريخهم وثقافتهم) للمؤلف يوسف طوبي (Yosef Tobi). يُعتبر من الأعمال المرجعية الهامة.

​"Traditional Society in Transition: The Yemeni Jewish Experience" (المجتمع التقليدي في مرحلة انتقالية: التجربة اليهودية اليمنية) للمؤلفة بات-تسيون عراقي كلورمان (Bat-Zion Eraqi Klorman). يركز على الفترة من منتصف القرن التاسع عشر إلى منتصف القرن العشرين.

​أعمال المؤرخ شلومو دوف جويتين (Shlomo Dov Goitein)، خاصةً أبحاثه التي تتناول حياة اليهود في ظل الإسلام ومن خلال وثائق الجنيزة.

​2. المخطوطات والنصوص اليهودية اليمنية القديمة:

​هذه هي المصادر الأصلية التي تحوي تاريخهم وثقافتهم الدينية:


​التِكلَال (Tiklal): وهو كتاب صلوات (سيدور) خاص بيهود اليمن، ويعكس تقاليدهم الدينية والطقسية القديمة.

​التَاج (Taj): وهي نسخ من التوراة مكتوبة بثلاث لغات: العبرية الأصلية، والترجمة الآرامية (الترجوم)، والترجمة اليهودية-العربية (تفسير سعديا جاؤون). وهي فريدة ليهود اليمن وتوثق نصوصهم

3. المصادر الصحفية والمسوعية

 المصادر : صحيفة مكور ريشون الإسرائيلية 

المصادر : الموسوعة الحرة wikipedia يهود حبان

المصادر : الموسوعة العالمية Wikimedia الدريعأ البيضاء 




تعليقات